د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى» انتصارات كردفان… انهيارات المليشيا، إشارات «الزحف الأكبر» وبشارات النصر الكامل!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى»
انتصارات كردفان: انهيارات المليشيا، إشارات «الزحف الأكبر» وبشارات النصر الكامل!
—————-
الفرح الذي عمّ السودان بانتصارات القوات المسلحة والقوات المساندة لها الأخيرة في كردفان، تجاوز فرحة أهل المناطق التي تحررت إلى فرحة وطن كامل يرى في كل شبر من أرضه جزءاً من بيته، لكن قيمة هذه الانتصارات لا تقف عند حدود الفرح، فقد جاءت في توقيت مهم من مسار المعركة، وأسفرت عن تحرير مواقع وارتكازات كانت المليشيا تعتمد عليها في الانتشار والدفاع والحركة، وألحقت بها خسائر في الأرواح والعتاد، وأجبرتها على التراجع، وبذلك تغيرت معادلة الميدان في هذا الاتجاه، وانتقلت القوات المسلحة إلى وضع أكثر قدرة على المبادرة والضغط وتثبيت الموقف وتأمين المناطق، بينما بدأت دفاعات المليشيا تتعرض للاهتزاز والانهيار، وهذه هي القيمة الحقيقية لانتصارات كردفان، فهي لا تضيف أرضاً محررة فحسب، وإنما تفتح مجالاً جديداً أمام القوات المسلحة لمواصلة المتحركات وبسط سيادة الدولة.
وعندما تحرر القوات المسلحة مواقع كانت المليشيا تعتمد عليها في الدفاع والانتشار، فإنها لا تفقد موقعاً على الأرض فقط، وإنما تفقد جزءاً من قدرتها على الحركة والمناورة، وتضطر إلى إعادة ترتيب صفوفها والبحث عن ارتكازات بديلة، بينما تكسب القوات المسلحة مساحة جديدة لتثبيت قواتها وتأمين محاورها ومواصلة الضغط، ومن هنا فإن الانهيارات التي تتكشف في كردفان ينبغي أن تُقرأ في سياقها العسكري الصحيح، فالمليشيا تواجه تراجعاً في قدرتها على المحافظة على دفاعاتها، بينما تواصل القوات المسلحة بناء الموقف من انتصار إلى انتصار، ومن تحرير إلى تثبيت، ومن تثبيت إلى تأمين، وهي مراحل لا يعرف قيمتها إلا من يعرف طبيعة العمل العسكري، حيث لا تكون قيمة التحرير في رفع العلم وحده، وإنما في القدرة على تثبيت الأرض وتأمينها ومنع الخصم من استعادة المبادرة.
وتكشف هذه الانتصارات كذلك عن مهنية القوات المسلحة السودانية واحترافيتها في إدارة المعركة، فالجيش المحترف يعرف متى يثبت، ومتى يضغط، ومتى يناور، وكيف يلتف على مواقع الخصم ويضرب نقاط ضعفه، ثم يحول الاختراق إلى انهيار في دفاعاته، وهنا تبرز استراتيجية «الحفر بالإبرة» التي تحدث عنها القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وهي في معناها العسكري تقوم على النفس الطويل، ودقة الحركة، وتوزيع الضغط، واستنزاف قدرة الخصم، وعدم استنزاف القوات في مواجهة مفتوحة لا تحقق الغرض، ثم استثمار اللحظة المناسبة للانتقال من الضغط إلى المناورة والهجوم والحسم، ولذلك فإن «الحفر بالإبرة» ليست بطئاً في المعركة، وإنما إدارة للوقت والقوة والمعلومة والميدان، بحيث يجري تفكيك قدرة الخصم خطوة بعد أخرى، حتى تأتي اللحظة التي يتحول فيها الضغط إلى اختراق، والاختراق إلى تقدم، والتقدم إلى تحرير وتثبيت وتأمين.
ثم يأتي حديث الفريق أول ياسر العطا عن «الزحف الأكبر» ليأخذ مكانه في هذه القراءة، فالسوداني لا يفصل كلام القيادة عن الميدان، وإنما ينظر إلى التصريحات من خلال ما يتحقق على الأرض، ويربط بين حديث البرهان والعطا وبين المتحركات والانتصارات وتراجع المليشيا، والسودانيون يعرفون رجالهم، ويعرفون معدن الرجال الذين خرجوا من بينهم، فالبرهان وياسر العطا أبناء هذا الشعب، من طينته ومعدنه، يعرفان معنى الكلمة ومعنى العهد، وعندما يقول الرجال في ساعة الشدة ينتظر الشعب أن يرى أثر القول في الميدان، لأن السوداني يعرف أن من قال صدق، ومن وعد أوفى، ومن عزم أنجز، ولذلك فإن «الزحف الأكبر» لا يبدو في وجدان السودانيين مجرد عبارة، وإنما إشارة ترتبط بما يجري على الأرض، وتزداد دلالتها كلما تقدمت القوات المسلحة، وتراجعت المليشيا، وانفتحت أمام الجيش محاور جديدة للحركة والعمل.
وخلف هذه الانتصارات رجال دفعوا ثمناً غالياً، من الشهداء والجرحى والقوات التي ظلت في الميدان، ومن الأسر التي تحملت الفقد والانتظار، ولهذا فإن انتصارات كردفان هي قبل كل شيء ثمرة تضحيات أبناء السودان، من القوات المسلحة والقوات المساندة لها والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية، الذين وقفوا عندما احتاج الوطن إلى الرجال، وكل موقع يتحرر وراءه صبر طويل وتضحيات كبيرة، ومن حق هؤلاء الرجال أن يعرف شعبهم أن ما قدموه لم يكن لتحرير موقع فحسب، وإنما لفتح الطريق أمام بسط سيادة الدولة وحماية وحدة الوطن وتأمين المواطن، ولذلك فإن كل انتصار جديد يحمل معه وفاءً للشهداء، ورسالة إلى الجرحى، وتأكيداً بأن السودان لم ينس من وقفوا في الصفوف الأمامية دفاعاً عنه.
والشعب السوداني الذي صبر طويلاً يعرف قيمة هذه اللحظة، لأنه دفع من أمنه وماله وبيوته وأبنائه ثمناً غالياً، ولذلك فإن فرحته بانتصارات كردفان ليست فرحة عابرة، وإنما فرحة شعب يرى الطريق أمامه يفتح من جديد، ويرى القوات المسلحة تتقدم وهي تحمل تضحيات رجالها، وكلما جاء انتصار تجددت الثقة بأن السودان قادر على تجاوز محنته، وأن الأرض ستعود إلى أهلها، وأن النازحين سيجدون طريق العودة، وأن الدولة ستبسط سيادتها على كامل تراب الوطن، وهنا تصبح بشارات النصر الكامل ناتجة عن تراكم الميدان لا عن الأمنيات، فكل ارتكاز يتحرر، وكل دفاع ينهار، وكل محور يتأمن، يضيف إلى قدرة القوات المسلحة ويفتح أمامها مجالاً جديداً للحركة، ويضيّق على المليشيا خياراتها.
ولهذا فإن انتصارات كردفان تحمل بشارات وإشارات أكبر من حدودها الجغرافية، فهي تؤكد أن القوات المسلحة تمسك بزمام المبادرة، وأن المليشيا تواجه انهيارات متتالية، وأن مهنية الجيش وقدرته على المناورة والالتفاف وتثبيت الموقف تجعل كل انتصار مقدمة للذي يليه، وبين «الحفر بالإبرة» و«الزحف الأكبر» تتشكل أمام السودانيين ملامح مرحلة جديدة، مرحلة عنوانها التقدم نحو الحسم وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني، ونحن نعرف هؤلاء الرجال لأنهم أبناء هذا الشعب، من طينته ومعدنه، ونعرف أن الرجل السوداني إذا قال صدق، وإذا وعد أوفى، وإذا عزم أنجز، ولذلك فإن بشارات النصر الكامل التي تلوح اليوم في كردفان ليست وليدة خطاب، وإنما وليدة تضحيات وانتصارات وصبر رجال ثبتوا في الميدان، وما تحقق يفتح الباب أمام أيام أكبر بإذن الله، حتى يعود السودان آمناً عزيزاً موحداً، وتعلو رايته فوق كامل ترابه.








