ابراهيم شقلاوي يكتب في وجه الحقيقه: النقد مقابل العمل.. بداية التعافي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
النقد مقابل العمل.. بداية التعافي
تحولت برامج العمل الطوعي إلى فاعل سياسي غير مباشر يسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، و يختبر قدرة المؤسسات المحلية على استعادة وظائفها الأساسية في العون التنموي.
يُعدّ مشروع “النقد مقابل العمل” (Cash for Work) أحد أبرز الآليات الإنسانية الفعّالة في سياقات الحروب والنزاعات، إذ يوازن بين تلبية الاحتياجات الأساسية الفورية للمواطنين مثل الغذاء والإيواء، وبين بناء قدراتهم الذاتية من خلال فرص عمل مؤقتة مدفوعة الأجر في أعمال مجتمعية حيوية كإصلاح البنية التحتية وتنظيف المناطق المتضررة .
في السياق السوداني، لا تتمثل الأزمة في تشغيل الوظائف الأساسية للدولة أو الخدمة المدنية، بل في الانقطاع العميق الذي أصاب قطاع الأعمال الحرة والحِرَفية، وهو القطاع الأوسع والأكثر هشاشة في زمن الحرب.
فالمستهدفون ببرامج “النقد مقابل العمل” ليسوا باحثين عن وظيفة حكومية، بل أصحاب مهن فقدوا أسواقهم وأدواتهم وقدرتهم على الإنتاج. ومن هنا تكتسب هذه البرامج قيمتها بوصفها آلية لحماية سبل العيش خارج الدولة، وإعادة ربط المنتجين الصغار بالسوق، لا كبديل دائم عن عملهم الأصلي. وسياسيًا يقاس نجاحها بقدرتها على أن تكون جسرًا انتقاليًا يعيد تشغيل الاقتصاد من القاعدة، ويمنع تحوّل الحِرَفيين وأصحاب الأعمال الحرة إلى فئات معتمدة على العون الإنساني والإغاثة، بما يحفظ كرامة العمل ويصون التماسك الاجتماعي.
فقد أثبتت نماذج إقليمية في العراق وسوريا والصومال ورواندا نجاحه في تعزيز الاقتصاد المحلي، تقليل الاعتماد على المساعدات المباشرة، وتعزيز التماسك المجتمعي عبر دمج النازحين والشباب العاطلين في برامج فعلية، مما أدى إلى انخفاض معدلات الفقر ومنع تفاقم التوترات خلال النزاعات.
وفي السودان يمثل هذا النهج فرصة جيدة لاستعادة كرامة المواطنين وحماية سبل عيشهم أثناء الحرب، شريطة التنسيق الفعّال بين المنظمات الإنسانية الدولية والجهات المحلية الطوعية والحكومة لضمان الاستدامة.
يأتي مشروع CFW الذي تنفذه منظمة “هيومن أبيل” البريطانية، بالشراكة مع محلية الخرطوم وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فزيارة المنسق المقيم للأمم المتحدة، دنيس براون لمواقع العمل مطلع الأسبوع ، كانت رسالة واضحة: استعادة الحياة اليومية، من الشوارع النظيفة إلى المراكز الصحية والمدارس، هي أساس إعادة الثقة في الحكم المحلي، ونافذة السودان لتوظيف الشراكات الإقليمية والدولية من خلال الالتزام بمعايير العمل الإنساني والتنمية المستدامة.
وقد أثبتت التجربة قدرة الشراكة بين المنظمات الدولية والسلطات المحلية على تعويض محدودية الموارد الرسمية، كما ظهر ذلك في معالجة 60 إلى 70 في المائة من تراكمات النفايات التي بلغت نحو 300 ألف طن، مع توسيع نطاق المشروع ليشمل الجوانب الجمالية، والطاقة الشمسية للمراكز الصحية والمدارس، ودعم آبار المياه، والدعم النفسي مما يعكس مقاربة شاملة تتجاوز التدخل العاجل إلى بناء مقومات الصمود المجتمعي.
فالاختيار الواعي للطاقة الشمسية، على سبيل المثال، يعتبر بمثابة ، قرار سياسي تنموي يقلل من الاعتماد على الكهرباء ويضمن استدامة الخدمات، ويعكس قدرة السودان على الامتثال للمعايير الدولية للتنمية المستدامة.
ولا يمكن فهم نجاح البرنامج دون إدراك الدور الحيوي الذي تلعبه المجتمعات المحلية في دعم التنمية الاجتماعية. فالمواطنون المشاركون في أعمال النظافة، وإصلاح البنية التحتية، وصيانة المدارس والمراكز الصحية، لا يقتصر دورهم على تنفيذ العمل الميداني، بل يصبحون فاعلين أساسيين في إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية وتعزيز الانتماء للمجتمع.
فالمشاركة المباشرة تمنح الأفراد إحساسًا بالمسؤولية الجماعية، وتخلق شبكة تفاعلية من التعاون بين الأسر والجيران، وتكسر العزلة التي فرضتها الحرب على المدن والأحياء. بهذا الشكل يتحول البرنامج من مجرد أداة اقتصادية إلى رافعة اجتماعية حقيقية، تُمكّن المجتمعات من استعادة دورها في توجيه التنمية المحلية، وبناء ثقافة الاعتماد على الذات.
من زاوية #وجه_الحقيقة ، تكشف تجربة “النقد مقابل العمل” في الخرطوم عن بداية التعافي بجانب نموذج تفاعلي جيد يعيد الاعتبار للعمل كأداة استقرار، وللشراكة الدولية كرافعة للحكم المحلي. وحين يتحول العمل الإنساني إلى مسار إنتاجي كريم، يصبح تنظيف شارع أو إنارة مركز صحي فعلًا ايجابيا، يدعم الاستقرار ويعيد للمدينة روحها، فيما تُعاد صياغة الدولة، وتُثبت قدرة السودان على المشاركة الفاعلة في الأسرة الدولية، عبر الإنجازات الملموسة التي ترتبط بحياة المواطنين اليومية.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 7 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com






