تحقيقات وحوارات

المَقَاصِدُ العقديَّة للحَجِّ… “سودان بور” ترصد خطبة الشيخ أحمد الجبراوي

بٍسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ
*المَقَاصِدُ العقديَّة للحَجِّ*
أحمد حامد الجبراوى

..

شرع الله الحجُّ لغاياتٍ عظمى، ومقاصد جليلة، ومنافع عاجلة وآجلة، {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} ٢٨ الحج {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} فما أعجب هذه الكلمة وأجملها! وما أوجزها وأجمعها! يقول ابن عباس رضي الله عنه: “ منافع الدنيا والآخرة، أمَّا منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأمَّا منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن، والذبائح ” .
ومن أهم مقاصد وغايات الججّ تحقيق عبودية الله وتوحيده وتعظيمه تعالى وتعظيم شعائره ونلمح تلك المقاصد العقدية للحج من خلال التالي:
١/تحقيق توحيد الله:
وهو أعظم مقاصد الحج العقديّة تذكيرا للإنسان بوظيفته الحقيقية في هذه الحياة وهي: توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، وإنَّك لترى مظاهر هذا المقصد واضحةً جليَّة فى كل المشاعر والشعائر منتظمة حتى غير الحجيج فى الأشهر الحرم عموما وأوائل ذي الحجّة بوجه أخصّ تلبية وطوافا وسعيا ووقوفا ورميا للجمرات وذكرا وهديا وخدمة للآخرين وصياما وصدقة وبرا تعظيما للشعائر والمناسك وغيرها .
2/*الإخلاص* :-
فإخلاص العبادة لله تعالى هى أحد شرطي قبول العمل، فلا يُقبل عملٌ إلّا إذا كان خالصًا لله سبحانه وتعالى، يقول الفضيل بن عياض: “العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه”، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: “إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: ما كان لله، والصواب: ما كان على السنّة”، ثم قرأ قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}١١٠ الكهف: ولذلك قال الحافظ ابن رجب الحنبلي “وما يجب اجتنابه على الحاجّ، وبه يتمُّ برُّ حجِّه ألَّا يقصد بحجِّه رياءً ولا سمعةً، ولا مباهاةً ولا فخرًا ولا خيلاء، ولا يقصد به إلّا وجه الله ورضوانه، ويتواضع في حجِّه، ويستكين ويخشَع لربِّه”. لطائف المعارف. وجاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رحل رثّ، وقطيفة تساوي أربعة دراهم، أو لا تساوي، ثم قال: اللهم حجة، لا رياء فيها، ولا سمعة))؛ رواه ابن ماجه.
*3/تعظيم شعائر الله:*
وهي من أعظم مقاصد الحج العقدية اذ ان مقصود الحج الحثُّ على تعظيم الله تعالى وتعظبم شعائر ه قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ”٣٢ الحج فشعائر الله هي أعلام دينه الظاهرة، وأوامره ونواهيه التي تعبَّدنا بها، وتعظيم هذه الشعائر علامة على تقوى العبد ووَرَعِهِ، وهي مقصدٌ عظيم من مقاصد الحج؛ فالمسلم عندما يعتاد على تعظيم شعائر الله في أعمال الحجّ، فإن ذلك يُربِّي في نفسه تعظيم أوامر الله وتقواه في كل وقت وحين.
4/ *تحقيق الانقياد والاستسلام لله* *والاتباع للنبي صلى الله عليه* *وسلم:*
من أجلِّ مقاصد الحج تحقيق الاستسلام والانقياد لله سبحانه وتعالى ولشرعه، وهذا يظهر في كل أعمال الحج، فهذه الجموع الغفيرة حين تحرَّكت وانطلقت من كل فجٍّ عميق ما الذي دعاها إلى ذلك؟ إنها الاستجابة لنداء الله سبحانه وتعالى والانقياد لطاعته، والحج رغم أنه ينطوي على حكمٍ عظيمة ومقاصد كبيرة، إلا أن كثيرًا من أعماله لا نعرف لها حكمة إلا ما نتحدث عنه، وهو: تحقيق التسليم والانقياد. فوقت الحج ومكانه وترتيب شعائره ومواقيته كلها يتجلى فيها التسليم لله سبحانه وتعالى وهو انقياد ينسحب على كافة وجوه الحياة تشريعاً وحكماً وقضاءً واقتصاداً وتعليماً.
5/*الوحدة ونبذ التفرق:*
لا شكَّ أنَّ الاجتماع والتآلف من مقاصد الشَّريعة العظمى، وهو مقصد عقدي لكثير من مسائل العقيدة كالسَّمع والطاعة، وذمِّ الاختلاف في أصول الدين، وذمِّ البدع وأهلها، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على وحدة المسلمين وعدم تفرقهم، ومن أجلِّ الأعمال وأكثرها إظهارًا لهذا المقصد هو الحج بوحدة الشعائر والمشاعر وأمتنا بحاجة إلى الوحدة والاعتصام فى وقت تتجه الأمم إلى الاجتماع وهى تعاني من الهوان والضعف والتقزّم ونحن في السودان أحوج ما نكون إلى بناء التوافق السياسي والائتلاف لنعبر بهذا الوطن ونخرج من دائرة الاحتراب والكراهية والبغضاء فما أعظم الحج وهو يعمق هذه المعاني النبيلة.
6/ *الاستعداد للآخرة* :
ومن مقاصد الحج العقدية تذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بخير الزاد؛ كما قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”١٩٧ البقرة فما يكون من الحجاج من السفر والارتحال والتزود مما ينبَّههم باعداد زاد الآخرة، وهو التقوى، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزادٍ يبلغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلّا بزادٍ من التقوى، فجمع بين الزادين ..”راجع إغاثة اللهفان
7/ *تحقيق التّوكل:*
وهو قيمة توحيدية مهمّة كافأ الله بها أمّنا الأميرة النّوبية هاجر عليها السلام بإبقاء ذكرها وتخليده بالسّعي بين الصّفا والمروة وما أحوجنا لقيمة التوكل اعتمادا على الله فى أمرنا كلّه وتوكلّا عليه .
8/ *تحقيق ذكر الله:*
وتحقيق مقصد إقامة ذكر الله الذي انفرد بالكِبْر والعظَمة؛ حيث أيامُ الحج كلها ذكر لله وتكبير وتعظيم له سبحانه عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ ٢٨ الحج ويقول سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ ٢٠٣ البقرة ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعِل الطَّوافُ بالبيت وبالصفا والمروة ورميُ الجمار؛ لإقامة ذكر الله تعالى وحده))؛ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وأبو داود وأحمد.
وهذا المقصد ذكره الله سبحانه وتعالى في آيات الحج، وأكد عليه، فقد بدأها بذكر تطهير البيت وتهيئته لاستقبال كل هؤلاء العابدين فقال: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾.
*9/تجديد الأسوة بالأنبياء* :
فمن مقاصد الحجّ العقديّة ربط الإنسان بالأنبياء ودعوتهم؛ حتى يحرص المسلم على ما حرصوا عليه، فالحاجّ حين يقدم مكة المكرّمة ويقف عند هذا البيت العتيق ينساب إليه ذلك التاريخ الطَّويل من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذ التاريخ الطويل مرتبطٌ بهذا البيت العتيق الذي يقول الله فيه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96، 97]. فهو أول بيتٍ وضع على الأرض كما يقول أبو ذر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة …” وجاء عند مسلم :”أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مَرَّ بوادي الأزرَقِ، فقال: أيُّ وادٍ هذا؟ فقالوا: هذا وادي الأزرَقِ، قال: كَأنِّي أنظُرُ إلى موسى عليه السَّلامُ هابِطًا مِنَ الثَّنيَّةِ، وله جُؤارٌ إلى اللهِ بالتَّلبيةِ، ثُمَّ أتى على ثَنيَّةِ هَرشى، فقال: أيُّ ثَنيَّةٍ هذه؟ قالوا: ثَنيَّةُ هَرشى، قال: كَأنِّي أنظُرُ إلى يونُسَ بنِ مَتَّى عليه السَّلامُ على ناقةٍ حَمراءَ جَعدةٍ عليه جُبَّةٌ مِن صوفٍ، خِطامُ ناقَتِه خُلبةٌ وهو يُلَبِّي..”فهذا موكب الانبياء المعتصم بعقيدة التوحيد مع تنوع الشرائع دلالة على تجديد القدوة والأسوة
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٩٠ الأنعام
*وبعد:*
فإنّ المقاصد العقديّة للحجّ عديدة وهذه إشارات لبعضها فنسأل الله أن يوفقنا لإدراك وتأمّل هذه المعاني وأن يجمع الله شتاتنا ويلمّ شعثنا ويحفظ مقدساتنا.
فمبدأ الحج وختامه ومقصده الأعظم هو توحيد الله تعالى، وأن يكون الناس حنفاء لله غير مشركين به وتعظيمه تعالى وتعظيم شعائره.
والحمدلله رب العالمين .
أحمد الجبراوي

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى