رأي

معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: اربطوا الرجل التي تتألم

صرير القلم … د. معاوية عبيد
اربطوا الرجل التي تتألم
تقول إحدى الطرائف الشعبية إن طبيباً بلدياً اشتهر بين الناس بقسوة علاجه، حتى إن مرضاه كانوا يطلقون صيحات الألم وتسيل دموعهم أثناء التداوي عنده. وكان في القرية رجل يتفاخر بالشجاعة والفروسية، ويسخر من أولئك الذين يبكون تحت يد ذلك الطبيب، ويصفهم بالضعف وقلة الصبر.
ومرت الأيام، فإذا بالرجل نفسه يتعرض لكسر في ساقه، فيحمله أهل القرية إلى الطبيب الشعبي. واجتمع الناس يومها لا لشيء إلا ليشهدوا لحظة انهياره، وليسمعوا صرخاته التي طالما سخر منها عند غيره.
دخل الرجل إلى غرفة العلاج، ومكث فيها زمناً، ثم خرج على الناس هادئاً ساكناً، لا أثر للدموع على وجهه ولا صوت للألم في حديثه. اندهش الجميع، وتساءلوا: كيف احتملت ذلك العلاج القاسي دون أن تبكي أو تصرخ؟
ابتسم الرجل ساخراً وقال: “أتظنونني مغفلاً؟ لقد أعطيته الرجل السليمة!”
ورغم طرافة القصة، فإنها تحمل معنى عميقاً يمكن إسقاطه على كثير من السياسات والقرارات التي قد تخطئ موضع الداء، فتعالج الصحيح وتترك المريض يتألم.
وفي هذا السياق، أحسنت الدولة حين منحت السودانيين المغتربين الذين أمضوا سنوات طويلة خارج البلاد إعفاءات جمركية على استيراد السيارات. فالمغتربون قدموا الكثير لوطنهم عبر تحويلاتهم ودعمهم لأسرهم في أصعب الظروف، وهم يستحقون التقدير والرعاية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا عن أولئك الذين شردتهم الحرب داخل الوطن؟ ماذا عن الأسر التي غادرت ديارها قسراً لأكثر من ثلاث سنوات، ثم عادت فلم تجد منازلها أو ممتلكاتها أو وسائل كسب عيشها؟ ماذا عن المواطن الذي فقد سيارته أو تعرضت للتلف أو النهب بسبب ظروف الحرب؟
أليس من الأولى أن تمتد يد الدعم لهؤلاء أيضاً؟ أليس من الأولى أن يجد المواطن المتضرر من الحرب تسهيلات وإعفاءات تساعده على استعادة حياته الطبيعية؟
إن المشكلة الحقيقية التي يعاني منها المواطن اليوم لا تكمن في المواطن نفسه، وإنما في حلقات السمسرة والمضاربات والاحتكار التي رفعت أسعار السلع والخدمات إلى مستويات غير مسبوقة. فأسعار السيارات أصبحت بعيدة عن متناول غالبية الناس، وارتفعت تكاليف الوقود والنقل، وازداد العبء المعيشي على الأسر بصورة كبيرة.
والمؤسف أن المواطن هو الذي يتحمل فاتورة هذه الزيادات، بينما لا نكاد نسمع شكوى من السماسرة والمضاربين الذين يجنون الأرباح من وراء الأزمات. ولذلك فإن المطلوب ليس زيادة الضغوط على المواطن، وإنما توجيه الإجراءات الحازمة نحو المتسببين الحقيقيين في اختلال الأسواق وارتفاع الأسعار.
إن الدولة القوية هي التي تضع يدها على موضع الألم الحقيقي، وتعالج أسباب المرض لا أعراضه، وتواجه الاحتكار والمضاربة والتلاعب بقوت الناس، وتحمي المواطن البسيط من جشع ضعاف النفوس.
فيا سادة، اضربوا بيد من حديد على موضع الداء، وحاربوا السمسرة والاحتكار والتلاعب بالأسواق، ولا تجعلوا المواطن هو من يدفع الثمن في كل مرة.
فإننا لم نسمع بكاء السماسرة، ولم نسمع نواح المحتكرين، لكننا سمعنا أنين المواطن وهو يواجه الغلاء يوماً بعد يوم .
لذلك نقول كما قال صاحب الطرفة القديمة: لا تربطوا الرجل السليمة… اربطوا الرجل التي تتألم .

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى