رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب في «صدى المدى» منصور محجوب.. ابن الكوة، الخبير المحنَّك والاقتصادي الفذّ!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى
«صدى المدى»

منصور محجوب.. ابن الكوة، الخبير المحنَّك والاقتصادي الفذّ!

في الكوة، حيث ينحني النيل في هدوء، ويفيض بعطائه على الجروف، وحيث يقف الجميز شامخاً بظله الوارف، ويرفع النخيل قامته في شموخ، تبدو المدينة كأنها لم تهب السودان الماء والطين والخضرة وحدها، وإنما وهبته رجالاً أيضاً، رجالاً فيهم من صلابة الجميز، ومن سخاء النيل، ومن خصوبة الجروف، ومن شموخ النخيل، ولذلك فإن سيرة منصور محجوب لا تبدأ من الوزارة، وإنما من الكوة، ومن ذلك المكان الذي خرج منه إلى فضاء أوسع، حاملاً علماً ومهنة وخبرة، حتى أصبح واحداً من رجال الاقتصاد السوداني الذين سبقت سيرتهم مناصبهم، وجاءت الوظيفة في مسيرتهم ثمرةً لما اكتسبوه من علم وخبرة ومهنية، وهذه هي الزاوية التي تجعل الحديث عنه حديثاً عن رجل كبير قبل أن يكون حديثاً عن وزير، فالرجل لم تصنعه الوزارة، وإنما جاءت الوزارة إلى سيرة كانت قد اكتملت لها ملامحها المهنية قبل أن تفتح أبوابها له.

ومن هنا تبدأ الحكاية التي تمنح هذه السيرة وزنها الحقيقي، ففي ديسمبر 1951 اجتاز منصور محجوب امتحان جمعية المحاسبين القانونيين في إنجلترا وويلز، وتوثق دراسات أكاديمية سودانية أنه كان أول محاسب قانوني سوداني، وهي ريادة مهنية لها دلالتها الكبيرة في تاريخ الاقتصاد السوداني، إذ كان تأهيل السودانيين لهذه المهنة قد بدأ في أواخر الأربعينيات، ثم جاء منصور محجوب ليكون أول من يبلغ هذا التأهيل الرفيع، وفي ذلك ما يكفي ليفسر جانباً من شخصيته المهنية، فالمحاسبة القانونية مدرسة لا تسمح كثيراً بالمجاملة، والرقم فيها لا يعرف «خلينا نمشيها»، إما أن يستقيم الحساب أو يكشف الحساب صاحبه، ومن هذه المدرسة خرج الرجل إلى فضاء أوسع، حاملاً معه دقة المحاسب، وعين الاقتصادي، وحس المسؤول الذي يعرف أن المال العام قبل أن يكون أرقاماً هو أمانة.

وما إن استقرت قدمه في المهنة حتى أخذت السيرة تتجاوز حدود الحسابات إلى المؤسسات الدولية، ففي 1961 يظهر اسمه في وثائق صندوق النقد الدولي بصفته المحافظ المناوب المؤقت للسودان لدى صندوق النقد الدولي، وهي مسؤولية تكشف مقدار الثقة المهنية التي بلغها الرجل في وقت مبكر، ثم اتسعت خبرته في مجال التجارة والاقتصاد الخارجي، ففي يونيو 1962 كان مدير وزارة التجارة والصناعة والتموين، وقاد وفداً تجارياً وقطنياً سودانياً إلى الصين، وهكذا أخذت سيرته تتحرك من المهنة إلى الدولة، ومن الدولة إلى المؤسسات المالية الدولية، ومن التجارة إلى العلاقات الاقتصادية الخارجية، ولم يعد منصور محجوب مجرد محاسب قانوني رائد، بل أصبح خبيراً يتحرك في دوائر الاقتصاد المختلفة، يعرف الحساب من داخله، والتجارة من أبوابها، والعلاقات الدولية من ساحاتها.

ثم جاءت الوزارة، لكنها جاءت إلى رجل كانت سيرته قد سبقتها إليها بسنوات، ففي 25 مايو 1969 تولى منصور محجوب وزارة الخزانة، فكانت محطة جديدة في مسيرة طويلة لا بدايتها، وبعدها، في 21 يوليو 1970، انتقل إلى وزارة الاقتصاد والتجارة والتموين، وهو انتقال يكشف اتساع دائرة خبرته ومسؤولياته، من الخزانة والمال إلى الاقتصاد والتجارة والتموين، وفي كل ذلك ظل الرجل يتحرك داخل المجال الذي يعرفه جيداً، مجال الأرقام والإدارة والاقتصاد والتجارة، ثم جاء التعديل الوزاري في أكتوبر 1971 ليخرج منصور محجوب من التشكيل الوزاري، بعد أن ترك وراءه سيرة مهنية لا تختصرها سنوات الوزارة، بل تمتد قبلها وبعدها، ولذلك فإن قيمة الرجل لا تقاس بطول بقائه في المقعد الوزاري، وإنما بما حمله إلى المقعد وما تركه من أثر في مسيرته المهنية، وهي سيرة تجعل الوزارة صفحة مهمة، لكنها ليست عنوان الكتاب كله.

ومن الوزارة أخذته المسؤولية الاقتصادية إلى الصين مرة أخرى، ولكن هذه المرة على مستوى رسمي رفيع، ففي الفترة من 21 إلى 28 يونيو 1970 قاد منصور محجوب وفد الصداقة الحكومي السوداني إلى الصين، بدعوة من الحكومة الصينية، وكان في استقبال الوفد في بكين نائب رئيس مجلس الدولة الصيني لي شيان نيان، الذي أجرى محادثات مع منصور محجوب، كما أقام مأدبة رسمية تكريماً للوفد، وتظهر المصادر أن الزيارة لم تكن بروتوكولية فحسب، إذ ارتبطت بتطور مهم في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتشير دراسة أكاديمية إلى توقيع أول اتفاق للمساعدات الاقتصادية بين الصين والسودان خلال تلك الزيارة، وهي محطة تضيف إلى الرجل بعداً جديداً، فهو لم يكن يدير المال والاقتصاد داخل السودان فحسب، وإنما كان يحمل ملف السودان الاقتصادي إلى العالم، ويتحدث باسمه في عاصمة كبرى، ويشارك في فتح أبواب التعاون الاقتصادي الخارجي.

وحين نجمع هذه المحطات كلها، لا نحتاج إلى كثير من المديح لنرى عظمة السيرة، فالرجل الذي بدأ 1951 كأول محاسب قانوني سوداني، ثم ظهر في 1961 في التمثيل المالي للسودان لدى صندوق النقد الدولي، وتحرك في 1962 في التجارة والعلاقات الاقتصادية مع الصين، ثم تولى وزارة الخزانة في 1969، وانتقل إلى وزارة الاقتصاد والتجارة والتموين في 1970، وقاد في العام نفسه وفد الصداقة الحكومي السوداني إلى الصين، يكون قد قطع في أقل من عقدين مسافة مهنية واسعة، من دقة الحساب إلى إدارة المال، ومن التجارة إلى العلاقات الاقتصادية الدولية، وهذه ليست قائمة مناصب، وإنما درجات في سلم واحد، كل درجة تفسر التي بعدها، ولهذا يبدو وصفه بالخبير المحنَّك والاقتصادي الفذّ وصفاً تؤيده الوثيقة قبل أن تؤيده العاطفة، وتؤكده المؤسسات التي حمل فيها المسؤولية قبل أن تؤكده ذاكرة الناس، فالعظمة هنا ليست في كثرة الألقاب، وإنما في اتساع السيرة وتنوع ميادينها.

ولعل أجمل ما نختم به سيرة منصور محجوب أن نعود بها إلى الكوة، إلى المدينة التي ينحني عندها النيل، وتفيض الجروف بخصوبتها، ويقف الجميز بشموخه، ويرتفع النخيل في صمت نحو السماء، فهكذا تبدو سيرة ابنها: جذور عميقة في الأرض، وقامة ممتدة إلى العالم، وظل وارف يتركه العلم والخبرة أينما حل، ولذلك فإن اعتزاز الكوة بمنصور محجوب ليس اعتزازاً بوزير سابق فحسب، وإنما اعتزاز برجل خرج من بيئة سودانية أصيلة، وبدأ من مهنة دقيقة وشاقة، ثم اتسعت خطاه حتى بلغت المؤسسات المالية الدولية، وامتدت إلى التجارة والعلاقات الاقتصادية، ثم حملته المسؤولية إلى الوزارة وإلى بكين، وبقيت الكوة في خلفية الصورة كلها، لا كزينة أدبية عابرة، وإنما كجذر عميق في الحكاية، وهكذا يحق للكوة أن تفخر بابنها، ويحق للسودان أن يستعيد من ذاكرته سيرة رجل كان خبيراً محنَّكاً، واقتصادياً فذاً، وأحد أوائل السودانيين الذين حملوا مهنة الاقتصاد والمحاسبة إلى فضاء المؤسسات الدولية، وهي سيرة تقول في هدوء ما لا يحتاج إلى كثير كلام: إن السودان كان، وما زال، قادراً على أن ينجب رجالاً كباراً من مدن صغيرة، وأن يجعل من ضفة النيل بداية لطريق يصل إلى العالم.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى