د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: علاقات السودان الخارجية.. القدرة على مقاربة المتناقضات..!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب:
علاقات السودان الخارجية.. القدرة علي مقاربة المتناقضات..!!
تشهد الدبلوماسية السودانية خلال الفترة الحالية حراكاً واسعاً على المستويات الإقليمية والدولية، في إطار جهود متواصلة تستهدف تعزيز حضور السودان، وتوسيع قنوات التواصل مع الدول والمنظمات، وتقديم الرؤية السودانية حول التطورات الراهنة والقضايا ذات الاهتمام المشترك، في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة أعادت ترتيب العديد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
ويأتي هذا الحراك في مرحلة تتطلب قراءة مختلفة لطبيعة دور الدول داخل المنظمات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل محاولات ربط الأزمة السودانية الراهنة بمستقبل حضور السودان في هذه المؤسسات، وكأن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدول يمكن أن تكون سبباً لتراجع مكانتها أو تقليص دورها. غير أن الواقع الدولي يكشف أن الأزمات ليست حالة خاصة بدولة واحدة، بل أصبحت جزءاً من المشهد العالمي، وأن العديد من الدول داخل هذه المؤسسات تواجه تحديات كبيرة دون أن يكون ذلك سبباً لإبعادها عن دوائر العمل والتأثير.
فالمنظمات الإقليمية والدولية لم تُنشأ لعزل الدول التي تواجه أزمات، وإنما جاءت أساساً لإدارة التحديات وتعزيز التعاون وبناء التفاهمات بين الدول. ومن هنا فإن استمرار السودان في الحضور داخل محيطه العربي والأفريقي والدولي يمثل امتداداً طبيعياً لدوره التاريخي وموقعه الجغرافي ومصالحه المشتركة مع محيطه.
وتشير المتابعات إلى أن الحراك الدبلوماسي السوداني الرسمي، عبر تكامل أدوار الدبلوماسية الرئاسية والدبلوماسية التنفيذية، بدأ يحقق نتائج متدرجة من خلال التواصل السياسي، وتعزيز العلاقات الثنائية، وشرح الرؤية السودانية تجاه مختلف الملفات. ويأتي ذلك عبر تحرك مؤسسات الدولة المعنية بالعمل الخارجي، حيث تضطلع قيادة الدولة، ممثلة في رئيس مجلس السيادة ونائبه، بدور في التواصل السياسي والدبلوماسي مع قادة الدول والمنظمات، بالتوازي مع الجهد التنفيذي الذي تقوم به وزارة الخارجية والمؤسسات الحكومية ذات الصلة.
ويعكس هذا التكامل طبيعة المرحلة التي تتطلب حضوراً مؤسسياً متكاملاً، بحيث تتحرك الدولة عبر مستوياتها المختلفة لتقديم رؤيتها وتعزيز علاقاتها، بعيداً عن اختزال العمل الدبلوماسي في جهة واحدة أو مسار واحد. ومن موقع المراقب للمشهد، يبدو أن هذا الحراك أسهم في إعادة تقديم السودان بصورة أكثر شمولاً، تتجاوز النظر إليه من زاوية الأزمة فقط إلى اعتباره دولة ذات دور ومصالح وموقع مؤثر.
وقد بدأت تظهر مؤشرات على اتساع دائرة التفهم الإقليمي والدولي لأهمية استقرار السودان والحفاظ على وحدته، باعتبار أن السودان يمثل عاملاً أساسياً في أمن واستقرار محيطه. كما أن عدداً من الدول العربية والأفريقية باتت أكثر اهتماماً بالتعامل مع الملف السوداني من منظور يقوم على دعم الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة وتعزيز فرص الحلول التي تخدم مصالح السودان والمنطقة.
وفي هذا السياق، فإن العلاقات الثنائية تمثل مدخلاً مهماً لبناء التفاهمات داخل المنظمات والتكتلات الإقليمية والدولية، حيث إن المواقف داخل هذه المؤسسات تتأثر بدرجة كبيرة بطبيعة العلاقات بين الدول ومصالحها المشتركة. ولذلك فإن استمرار التواصل المباشر بين السودان والدول ذات التأثير الإقليمي والدولي يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة.
ويمتلك السودان عدداً من الأوراق الاستراتيجية التي تمنحه أهمية متزايدة في الحسابات الإقليمية والدولية، من بينها موقعه الجغرافي، وأمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم، وقضايا الحدود ، والهجرة، إضافة إلى فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري. وهي ملفات أصبحت أكثر حضوراً في ظل التحولات العالمية المتعلقة بأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية.
ومن الطبيعي أن تحتاج التحركات الدبلوماسية إلى وقت ومساحات من الحوار والنقاش حتى تتحول إلى نتائج ملموسة، إلا أن المؤشرات الحالية تشير إلى أن الرؤية السودانية بدأت تكسب مساحات أكبر من الفهم والتفاعل، وأن الحضور الرسمي للدولة أصبح عاملاً مهماً في تجاوز بعض التصورات السابقة التي حاولت اختزال السودان في ظروفه الراهنة.
إن الحراك الدبلوماسي السوداني لا يتحرك فقط للدفاع عن موقف، وإنما لإعادة تثبيت مفهوم أوسع يتعلق بمكانة السودان ودوره. فالدبلوماسية الفاعلة تقوم على بناء العلاقات، وتعزيز الثقة، وتحويل عناصر القوة الوطنية إلى تأثير سياسي واقتصادي، وهي عملية تحتاج إلى الاستمرار والتراكم.
وفي النهاية، فإن ما تشهده الساحة الدبلوماسية يؤكد أن الرؤية السودانية تكسب مساحات جديدة، وأن استمرار الحراك الرسمي يمكن أن يفتح الطريق أمام مرحلة أكثر حضوراً وتأثيراً للسودان في المشهد الإقليمي والدولي. فالأزمات لا تلغي حق الدول في الحضور، والتحديات لا تسقط مكانتها، والدول التي تمتلك رؤية واضحة وتتحرك عبر مؤسساتها قادرة على حماية مصالحها وتعزيز موقعها الطبيعي.







