د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: هكذا ماتت هيلين… وهكذا تموت الأحلام

صرير القلم: د. معاوية عبيد
هكذا ماتت هيلين… وهكذا تموت الأحلام
Helen had died of a fever
Helen had died of a fever ….
( When we were reading in the class room moornin , the teacher told us that Helen had died of a fever )Jane Eyre said that .
كانت تلك الجملة الإنجليزية القصيرة كافية يوم كنا نجلس في فصل من فصول الدراسة نقرأ رواية «جين آير»، لنشعر أن شيئاً ما انكسر في داخلنا، كان المعلم يحكي لنا عن هيلين صديقة جين آير، تلك الفتاة الوديعة التي أكلتها الحمى وهي في ريعان عمرها داخل مدرسة داخلية فقيرة لم يكن فيها من أسباب الحياة إلا أقلها ولا من الرعاية إلا ما يسد الرمق .
قالت المعلمة:
( Helen had died of a fever.)
وماتت هيلين…
لكن الجملة بقيت حية في الذاكرة ، مرت السنوات ونسينا كثيراً من تفاصيل الرواية لكن صورة هيلين لم تغادرنا تلك الفتاة التي لم يقتلها المرض وحده وإنما أحاط بها أيضاً فقر المكان وشح الإمكانات وغياب الرعاية التي كان يمكن أن تنقذها .
ولعل شارلوت برونتي لم تكن تكتب قصة فتاة وحسب وإنما كانت تفتح نافذة على مجتمع تتسع فيه المسافة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون حتى حقهم في حياة كريمة .
كانت جين آير يتيمة نشأت في بيت خالها بعد وفاته لكنها لم تجد فيه دفء الأسرة ، فزوجة خالها كانت تنظر إليها بعين الكراهية حتى أرسلتها إلى مدرسة داخلية لتتخلص من وجودها بعيداً عنها ، وهناك وجدت جين عالماً من الفقر والانضباط القاسي وشظف العيش، عالماً تصبح فيه وجبة الطعام نعمة والدفء امتيازاً والرعاية الصحية حلماً مؤجلاً وهناك كانت هيلين صديقة جين ورفيقة ألمها ، ثم جاء المرض ولم تكن هيلين تملك في مواجهة الحمى سوى جسد ضعيف وبيئة فقيرة .
رحلت هيلين وبقيت جين تحمل ذكراها ثم كبرت جين وصارت معلمة وعاشت قصة حب معقدة مع السيد روتشستر قبل أن تكتشف الحقيقة المرة فتهرب بلا مال ولا مأوى حتى تجد من يفتح لها الباب وتكتشف أقاربها وترث مالاً ثم تعود في النهاية إلى روتشستر فتجده فاقداً بصره وإحدى ذراعيه فتختار أن تبقى إلى جواره ، تلك هي جين آير .
لكنها في الحقيقة ليست جين وحدها، إنها صورة الإنسان الفقير حين يقاوم كي لا تكسره الحياة ، كلما سمعت اليوم عن طالب مرض في داخلية أو طالبة اضطرت إلى ترك الجامعة لأن أسرتها لم تعد قادرة على توفير المصروف تعود إليّ هيلين ، تعود تلك الجملة القديمة:
Helen had died of a fever.
فأسأل نفسي سؤالاً واحداً: كم هيلين بيننا اليوم؟
كم طالباً يحمل كتابه بيد ويحمل وجعه باليد الأخرى؟
في السودان وفي ظل الحرب وما أفرزته من نزوح وفقر وغلاء وانهيار للخدمات لم يعد الطالب الجامعي يذهب إلى الجامعة حاملاً همّ المحاضرة والامتحان وحدهما بل صار يحمل معه همّ الخبز والدواء والمواصلات ورسوم الدراسة والسكن والماء والكهرباء… وهمّ الغد …
أصبح الوصول إلى قاعة المحاضرة نفسه معركة .
حكى لي أحدهم عن ابنته التي كانت تقيم في داخلية وعن صديقتها التي ألمّ بها المرض و
خرجت الفتيات من الغرفة يحملن مريضتهن وذهبن إلى مركز صحي قريب لكن الإمكانات كانت محدودة والرعاية لم تكن كافية فانتقلن إلى المدينة ثم إلى مستشفى آخر حتى وجدن في النهاية الرعاية التي تحتاجها المريضة ، لكن رحلة العلاج كانت فوق المرض نفسه .
مال قليل ترسله الأسرة على قدر استطاعتها وقلق وخوف وإرهاق بينما تبقى مشاكل الداخلية قائمة ( ماء شحيح وكهرباء متقطعة وأسعار ترتفع كل صباح واحتياجات لا تعرف الحرب الرحمة معها )
وهنا عادت هيلين.
لم تعد مجرد فتاة ماتت في رواية إنجليزية قديمة أصبحت مرآة لواقع يمكن أن نجد فيه هيلين أخرى لا لأن المرض وحده أقوى منها وإنما لأن الفقر وضعف الخدمات قد يجعلان المرض أكثر قسوة ،ليست مأساة الطالب أن تكون وجبته ناقصة وإنما أن يشعر أنه منسي
وليست المشكلة أن تنقطع الكهرباء وإنما أن يعتاد الإنسان العيش في الظلام حتى يصبح الظلام طبيعياً والمرض في ذاته ليس عيباً ولا جريمة لكن المأساة أن يمرض الطالب ولا يجد من يرعاه وأن تتحول رحلة العلاج إلى رحلة شاقة بين المراكز والمستشفيات بينما الأسرة تستنزف ما ادخرته من أجل أبنائها .
هنا تصبح المسألة أكبر من المرض ،إنها مسألة كرامة إنسان .
لقد أصبح التعليم اليوم مكلفاً بصورة مؤلمة
وتتنافس بعض المؤسسات التعليمية في الرسوم والإعلانات واستقطاب الأساتذة والبحث عن السمعة حتى أصبح التعليم في بعض جوانبه أقرب إلى سوق تتنافس فيه المؤسسات على قدرة الأسر المالية وفي المقابل يتراجع التعليم الحكومي تحت وطأة الحرب والظروف الاقتصادية وانهيار المؤسسات
وهنا تكون الخسارة مضاعفة فالطالب الذي يترك التعليم لأنه لم يعد قادراً على تحمل تكاليفه ليس رقماً في إحصائية الغد إنه طبيب لم يصبح طبيباً ومهندس ، لم يصبح مهندساً ومعلم لم يدخل الفصل وباحث لم يفتح كتابه
إنه جزء من مستقبل الوطن الذي ضاع قبل أن يبدأ ، لقد هتفوا بالأمس:
«لا تعليم في وضع أليم».
وربما لم يكن أحد يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه الوضع أشد ألماً ، لكن السؤال اليوم ليس فقط: هل لدينا تعليم؟
بل: أي تعليم نريد؟
تعليماً ينجو منه القادرون وحدهم أم تعليماً يفتح أبوابه للفقير والغني ويحفظ للطالب كرامته وحقه في الحياة والمعرفة؟
فالداخلية ليست جدراناً وسريراً .
الداخلية وطن صغير .
ومن لا يستطيع أن يوفر لطالب العلم وطناً صغيراً آمناً، كيف يريد منه أن يبني وطناً كبيراً؟
لقد فقدنا الكثير في هذه الحرب.
لكن أخطر ما يمكن أن نفقده هو الإنسان.
والإنسان يبدأ من التعليم.
فإذا سقط التعليم سقطت معه طبقات كاملة من المستقبل وإذا ضعفت الضمائر وحل الطمع والجشع مكان الرحمة والمسؤولية .
وحين يصبح التعليم تجارة و العلاج سلعة والفقر تهمة نكون قد فقدنا شيئاً أكبر من المباني والمؤسسات نكون قد فقدنا أخلاقنا
وصدق الشاعر حيث قال :
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأمم لا تنهار حين تسقط مبانيها فقط قد تنهار حين تسقط الرحمة من قلوبها وحين لا يعود أحد يسأل عن هيلين .
في كل صباح حين تبدأ الحصة الأولى أتخيل معلماً يدخل الفصل ينظر إلى طلابه ثم يقول:
Helen had died of a fever.
لكنني هذه المرة لا أريد أن تكون الجملة خبراً عن موت فتاة في رواية ، أريدها أن تكون جرس إنذار لنا جميعاً ، فبين طلابنا اليوم جين آير كثيرة، طالب فقير يحمل حلماً أكبر من جيبه وطالبة تكافح لتكمل تعليمها و شاب جاء من مكان بعيد وفي قلبه وطن كامل، وكل ما يريده أن يتعلم ثم يعود إلى أهله بشهادة وعلم وكرامة .
لا نريد هيلين جديدة ، لا نريد أن يموت طالب لأن العلاج تأخر ولا أن تترك طالبة الجامعة لأن أسرتها لم تعد قادرة على مصاريفها ولا أن تتحول الداخليات إلى أماكن يتعلم فيها الطالب كيف يصبر على الفقر أكثر مما يتعلم في قاعة المحاضرات .
نريد أن يعيش أبناؤنا ، أن يتعلموا ،أن يحلموا
أن يجدوا في الجامعة والداخلية ما يحفظ كرامتهم لا ما يضاعف معاناتهم ، نريد أن نعطي جين آير السودانية فرصة أخرى فرصة لا تهرب فيها من الفقر، بل تهرب بالقلم من الفقر ، ونريد لهيلين أن تبقى ، أن تكمل دراستها وأن تصبح طبيبة أو معلمة أو مهندسة أو أديبة وأن يكون مرضها عابراً لا نهاية للحكاية .
وفي كل صباح قبل أن تبدأ الحصة الأولى أتمنى ألا نسمع تلك الجملة مرة أخرى
Helen had died of a fever.
بل نريد أن نقول:
Helen survived.
نجت هيلين…
لأن هناك من اهتم ، لأن هناك من مد يده …
لأن هناك من آمن أن الطالب أمانة وأن التعليم حق وأن الرحمة ليست ترفاً .
فأنقذوا هيلين قبل أن تصبح كل واحدة من بناتنا هيلين أخرى وكل واحد من أبنائنا جين آير آخر ، فبعض الأحلام لا تموت دفعة واحدة…
إنها تموت كل صباح حين يدخل الأستاذ الفصل ويجلس الطالب أمامه وهو لا يعرف كيف سيكمل يومه .







