رأي

د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: رصّوا الكراسي ( ما زال الليل طفلًا يحبو…)

صرير القلم : د. معاوية عبيد
رصّوا الكراسي
( ما زال الليل طفلًا يحبو…)

عبارةٌ كنا نسمعها ونحن صغار في حفلات الأعراس التي كانت تملأ أحياءنا فرحًا ودفئًا وما إن يُعلن عن عرسٍ في الحي حتى نهرع منذ العصر نرصّ الكراسي ونرشّ الأرض بالماء وننظف الدارة ثم ننتظر العريس بفارغ الصبر .
وحين يبدأ الفنان في الغناء نرقص بكل براءة وقد غطّى الغبار وجوهنا وملابسنا، لم نكن نهتم فقد كنا أصحاب المكان، وأبناء الحي وأهل ( الرصّة و المنصة ) الذين أعدّوا المسرح ليجلس عليه الآخرون .
لكن ما كان يؤلمنا ونحن أطفال أن يأتي بعض الغرباء بملابس أنيقة ونظيفة فيتوسطون الدارة ويتصدرون المشهد وربما أخذوا زمام الحفل ورقصوا مع العريس لأن ثيابهم أنظف من ثيابنا رغم أنهم لم يشاركوا في تنظيف المكان ولا في رصّ كرسي واحد .
والأدهى أن يأتي شخص لا هو من أهل العريس ولا من أهل العروس ولا حتى من (الجيران ) ، فيخطف الميكروفون بكل جرأة ويقول:
( يا شباب، معذرة… ما زال الليل طفلًا يحبو، وهذا الفاصل للعروسين… نرجو من الأطفال رصّ الكراسي والخروج من الدارة ) .
أي أطفال؟ نحن!
نحن الذين رصصنا الكراسي ونظفنا المكان ورششنا الأرض بالماء، ثم طُلب منا أن نخرج لكي يجلس أصحاب الثياب النظيفة في الصفوف الأمامية!
كبرنا واكتشفنا أن الحكاية لم تكن عن الأعراس وحدها،كان الوطن كله يشبه تلك الدارة كلما اشتدّ الليل ظهر من يقول :
( ما زال الليل طفلًا يحبو… رصّوا الكراسي واتركوا لنا المنصة ) .
وفي السياسة كما في الأعراس، هناك من يتعب ويكدح ويضع الأساس وهناك من ينتظر حتى يكتمل البناء ثم يأتي بثوبه الأنيق ليجلس في الصف الأول وعندما انتفض الشعب عام علي ٨٣ و تغبرت قدماه في الشوارع ظهر من يقولون للشعب رصّوا الكراسي ، وفعلا رص الشعب الكراسي وجلس عليها غيره ، وجاء من يمسك المايكرفون ليقول :
( معذرة ، مازال الليل طفل يحبو ، الفاصل الجاي للعروسين ) و نحن ننتظر ان يهل علينا الفجر .
جاءت ثورة الإنقاذ دفع أبناء السودان من الغبش ثمنًا كبيرًا وشاركوا في الدفاع عن الدولة، وتحملوا تبعات المرحلة، ثم اتسعت الساحة ودخل إليها أصحاب المشاريع السياسية المختلفة، وبدأت صراعات السلطة حتى أصبح بعض الذين لم يحملوا عبء الطريق يتقدمون إلى المنصة بينما ظل الذين حملوا الأثقال خلف الصفوف .
ثم جاءت الثورة المشؤمة و طير البوم ، رصّ فيها أبناء الغبش الكراسي مرة أخرى، ودفعوا أثمانًا باهظة . و اندلعت حرب الغدر و الخيانة الكبري من ابناء الوطن و من دول إقليمية جارة و صديقة وسالت دماء، وتعرض الناس للقتل والنزوح والفقد، بينما كان آخرون يتابعون المشهد من بعيد، أو غادروا البلاد حين اشتعلت الحرب، تاركين الذين لم يستطيعوا أو لم يرغبوا في المغادرة يواجهون النار وحدهم
هرب بعضهم من أتون الحرب ومن حق الإنسان أن يبحث عن الأمان فليس كل من غادر الوطن خائنًا ولا كل من بقي بطلًا فالأحكام المطلقة لا تنصف الناس، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الابتعاد عن المشهد في ساعة الخطر إلى عودة متعجلة عند ساعة اقتسام المنصة ، وحين تهدأ المدافع وتتقدم القوات، وتبدأ الدولة في استعادة عافيتها يعود بعض الذين كانوا بعيدين لا بصفة المواطن العائد فحسب وإنما في ثياب السياسي والصحفي والخبير والناطق باسم الوطن وكأنهم كانوا في مقدمة الصفوف طوال سنوات المحنة .
يعودون إلى الميكروفون ، يتحدثون عن الوطن، يكتبون عن الصمود ، ينظرون في مستقبل الدولة وربما يتقدمون الصفوف للحديث عن الذين صمدوا وكأنهم كانوا معهم في الخنادق والبيوت والقرى والمدن التي أكلتها الحرب .
وهنا يعود صوت ذلك الرجل من حفلة العرس:
( يا شباب… معذرة، ما زال الليل طفلًا يحبو… هذا الفاصل للعروسين ) .
رصّوا الكراسي!
ثم اخرجوا!
اتركوا الدارة لأصحاب الملابس النظيفة!
لكن الوطن ليس حفلة عرس والشعب ليس مجموعة أطفال مهمتهم رصّ الكراسي ثم مغادرة الدارة ، إن الذين بقوا في السودان والذين تحملوا الحرب، والذين فقدوا أبناءهم وأموالهم وبيوتهم والذين نزحوا ثم عادوا والذين ظلوا يعملون في مؤسسات الدولة والمرافق والأسواق والمزارع والذين حملوا عبء الحياة اليومية وسط الخوف والجوع والدماروهؤلاء ليسوا جمهورًا زائدًا يمكن إبعاده متى اكتمل المشهد وهؤلاء الذين حملوا الوطن في أشد لحظاته قسوة لا ينبغي أن يصبحوا مجرد ( أهل الرصّة) ، فالمنصة لهم كما هي لغيرهم، والميكروفون حقهم كما هو حق غيرهم، والحديث عن مستقبل السودان لا ينبغي أن يكون امتيازًا لمن غابوا عن لحظة الألم ثم عادوا عند لحظة التصفيق .
نحن لا نريد أن نطرد أحدًا من دارة الوطن .
ولا نريد أن نحاسب كل من غادر، فلكل إنسان ظروفه ولكل أسرة قصتها ولكل مهاجر أسبابه،
لكننا نريد فقط ألا تُسرق ذاكرة الذين بقوا ، و أن لا يُختزل صمودهم في خبر عابر ، وأن لا تتحول تضحياتهم إلى سُلّم يصعد عليه آخرون ،
و أن لا يصبح الميكروفون حكرًا على أصحاب الثياب النظيفة، بينما يظل أصحاب الغبار والدم والعرق في آخر الصفوف .
لقد آن الأوان أن يفهم أبناء السودان معنى ( رصّ الكراسي ) .
لا ترصّوا الكراسي لغيركم ثم تقفوا خارج الدارة، لا تتركوا مقاعدكم لمن يأتي بعد انقضاء الخطر ، لا تسمحوا لمن لم يشارككم ألم الطريق أن يختصر الطريق كله في خطابٍ أمام الكاميرات .
الوطن لا يُدار بمنطق حفلة العرس ، من رصّ الكراسي من حقه أن يجلس عليها ، ومن تحمل الغبار من حقه أن يرى المشهد ،ومن دفع الثمن من حقه أن يكون حاضرًا عند كتابة المستقبل ومن وقف مع الوطن في محنته لا ينبغي أن يسمع مرة أخرى :
( معذرة… ما زال الليل طفلًا يحبو ) .
لقد طال الليل بما يكفي
فلا تخرجوا من الدارة هذه المرة… اجلسوا على الكراسي التي رصصتموها بأيديكم .

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى