رأي

د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: بين اليقظة والأحلام

صرير القلم : د. معاوية عبيد
بين اليقظة والأحلام

ما بين اليقظة والأحلام ثمة أغنيات لا تنتهي بانتهاء لحنها تظل معلقة في الذاكرة وكلما مرّ الزمن عليها ازدادت قدرةً على أن تقول ما عجزنا عن قوله ، ومن تلك الأغنيات التي كلما سمعناها بدا لنا أنها كُتبت لتوها، أغنية ( بين اليقظة والأحلام ) التي حملها صوت حمد الريح فدخلت إلى الوجدان السوداني من أوسع أبوابه ، كانت يومها أغنية حنين ، حنين إلى أم درمان إلى الأهل والصحبة إلى الحي بتفاصيله الصغيرة التي لا نعرف قيمتها إلا حين نفقدها. لكنها اليوم تبدو وكأنها خرجت من زمنها القديم لتجلس إلى جوار السوداني الذي شردته الحرب وتستمع معه إلى حكاية وطنٍ صار البعد فيه جغرافيا والغربة فيه قدرًا والحنين فيه وجعًا يوميًا .
ولعل في قصة الشاعر عبد المنعم عبد الحي شيئًا من روح السودان التي صنعت هذه الأغنية فهو ابن جنوب السودان، من قبيلة الدينكا لكنه نشأ في أم درمان ودرس فيها ثم حملته الحياة إلى مصر حيث التحق بالكلية الحربية وتخرج ضابطًا وتزوج مصرية، تعددت الأمكنة في حياته لكن السودان ظل حاضرًا في شعره، فكتب بالفصحى والعامية، وترك وراءه إرثًا غنائيًا ثريًا .
ثم جاءت توتي الجزيرة التي تتوسط ملتقى النيلين لتمنح حمد الريح ذلك الحس الذي يلتقط تفاصيل الناس والمكان ومن هناك مضى صوته إلى الإذاعة السودانية حاملاً كلمات عبد المنعم عبد الحي وكلمات غيره من كبار الشعراء حتى صار صوته جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة ، وليس مصادفة أن يلتقي شاعرٌ جمع الجنوب وأم درمان ومصر بفنانٍ خرج من جزيرة تقف في قلب النيلين .
كان في هذا اللقاء شيء من السودان نفسه جنوبٌ وشمال، نيلان، مدن وقرى، ثقافات ولهجات، يجمعها وجدان واحد، لكن السودان الذي غنّيا له تغير كثيرًا، تغيرت المسافة بين الإنسان وبيته وتغير معنى الغربة وتغير معنى الحنين .
فحين تقول الأغنية:
نار البعد والغربة
شوق لأهلي والصحبة
نسمعها اليوم بأذن أخرى ، فالـ (بعد)لم يعد مسافة بين عاشقين وإنما أصبح مدنًا تفصل بينها الحرب، والـ(غربة) لم تعد سفرًا اختاره الإنسان، وإنما خروجًا اضطر إليه، و (الأهل والصحبة) لم يعودوا مجرد ذكرى إنهم وجوه موزعة بين النزوح والمنافي والحدود ، كم من سوداني يحمل مفتاح بيته في جيبه ولا يعرف متى سيعود إلى الباب الذي كان يفتحه كل صباح؟
وكم من أم تحتفظ في هاتفها بصورة بيتها لا لتتذكر شكله وإنما لتتأكد أن لها بيتًا ما زال يسكنها حتى وإن لم تعد تسكنه؟
وكم من طفل أصبح يعرف المدن من أسماء محطات النزوح، بدل أن يعرفها من الكتب والرحلات؟
ثم تقول الأغنية:
شوق لكل جميل في الحي
شوق للشينة لو صعبة
يا لهذا التعبير الذي يبدو بسيطًا، لكنه صار اليوم موجعًا!
لقد جعلتنا الحرب نشتاق حتى إلى ما كنا نشكو منه، إلى ضجيج السوق ،إلى بائع الشاي ، إلى أصوات الجيران ، إلى شارع الحي في المساء ،
إلى الكهرباء وهي تقطع ثم تعود، إلى (الشينة) التي كنا نريد التخلص منها، فاكتشفنا بعد رحيلها أنها كانت جزءًا من الحياة .
إن الحرب تسلب الإنسان اعتياد الأشياء.
والإنسان لا يعرف قيمة الأشياء الصغيرة إلا حين تصبح مستحيلة .
ثم يأتي ذلك البيت الذي يبدو اليوم كأنه كُتب عن السودان:
(بين اليقظة والأحلام)
أين يقف السوداني الآن؟
في اليقظة يرى وطنًا أرهقته الحرب وبيوتًا صامتة وأسواقًا أنهكها الغلاء وأسرًا تفرقت ومدنًا تغيرت ملامحها ، وفي الحلم يعود كل شيء .
يعود البيت، الجيران، المدرسة، يعود المزارع إلى حقله و القطار إلى صفيره القديم و يعود النيل إلى هدوئه ، و الأسرة إلى مائدة واحدة، لا تفصل أفرادها حدود ولا حواجز ولا خوف.
لهذا أصبح النوم في الأغنية اليوم أكثر من نوم،
يا ريت النوم يزورني اليوم
أنوم لو ليلة في كل عام
إنها أمنية شعب أنهكته اليقظة ، ليلة واحدة بلا رصاص .
ليلة لا يحمل فيها الأب هاتفه مترقبًا خبرًا .
ليلة لا تستيقظ فيها الأم مذعورة .
ليلة لا يبحث فيها طفل عن مكان آمن .
ليلة واحدة فقط، يعود فيها الإنسان إلى نفسه ، لكن الحرب لا تنتهي عند صوت الرصاص بل
لها صوت آخر أكثر خفوتًا، لكنه أطول عمرًا: صوت الجوع، والغلاء، وتعطل العمل، وتراجع الخدمات، وضياع السنوات،فالمواطن الذي نجا من الحرب قد يجد نفسه في حرب أخرى مع لقمة العيش والمواطن الذي حفظ بيته من النار قد يعجز عن ترميم ما تبقى من حياته .
هنا تصبح مسؤولية الدولة والمجتمع أكبر من مجرد إيقاف القتال ، إذ لا يكفي أن يصمت الرصاص إذا ظل الإنسان عاجزًا عن استعادة حياته .
إن المواطن لا يريد أن يسمع عن الوطن فقط يريد أن يلمسه ، يريد أمنًا يراه في الطريق وعدالة يشعر بها وخدمة يجدها وعملًا يكسب منه قوته ومدرسة يعود إليها أبناؤه ومستشفى يجد فيه الدواء وبيتًا يستطيع أن يعود إليه .
السودان بالنسبة للمواطن هو البيت، والشارع.
والنخلة والنيل وصوت الأم ورائحة الخبز ومئذنة المسجد وصوت القطار ووجه الجار ،
وكل تلك الأشياء الصغيرة التي صنعت في مجموعها معنى الوطن ، ولذلك فإن أجمل ما في تجربة عبد المنعم عبد الحي وحمد الريح أنها تذكرنا بسودانٍ لم تكن فيه الجغرافيا جدارًا بين الناس، ولا التنوع سببًا للقطيعة، وإنما كان الاختلاف أحد أسرار الجمال .
شاعر من الجنوب ينشأ في أم درمان وفنان من توتي يغني له وشعراء من أنحاء السودان يلتقون في حنجرة فنان ، فتخرج الأغنية سودانيةً خالصة، لا تسأل صاحبها من أين جاء وإنما تسأله ماذا أضاف إلى هذا الوطن .
ذلك السودان الذي نحتاج أن نستعيد روحه و معانيه قبل أن نستعيد مبانيه، فإعادة بناء الحجر أسهل من إعادة بناء الثقة، وإصلاح الطريق أيسر من إصلاح القلوب التي أرهقتها الحرب، نحتاج إلى سودانٍ لا يصبح فيه الاختلاف خصومة ولا السياسة سببًا للفقد ولا الوطن غنيمة يتنازعها المتنافسون .
نحتاج إلى سودان يستطيع أبناؤه أن يختلفوا دون أن يقتتلوا وأن يتنافسوا دون أن يهدم بعضهم بعضًا وأن يجلسوا إلى مائدة واحدة لأنهم أبناء وطن واحد ولذلك، كلما سمعت:
بين اليقظة والأحلام
لا أسمع أغنية قديمة فقط بل أسمع السودان ،
أسمع أم درمان وهي تنادي أبناءها ،أسمع بيوتًا أغلقت أبوابها على عجل، أسمع أمهات ينتظرن أن يعود الغائب ، أسمع مسافرًا يحمل حقيبته ولا يعرف متى تنتهي الرحلة وأسمع وطنًا كاملًا ينام على أمل أن يستيقظ على خبرٍ واحد:
انتهى الخوف !!
ربما كان أجمل ما يمكن أن يحدث لهذه الأغنية أن تتوقف عن وصف حاضرنا يومًا ما، أن تصبح مجرد ذكرى لمرحلة عبرناها و أن نسمع:
يا ريت النوم يزورني اليوم
فنبتسم لأننا ننام مطمئنين .
وأن نسمع:
شوق لأهلي والصحبة
فنجد الأهل حولنا
وأن تقول الأغنية:
أنا القصة يا أم درمان
فنجيبها:
لا يا أم درمان…
لقد كانت تلك قصة الحرب
أما قصتنا القادمة فيجب أن تكون قصة وطنٍ عاد إلى أهله .
بين اليقظة والأحلام يبقى السودان واقفًا في المسافة بين ما فقدناه وما نرجو أن نستعيده وبينهما يظل الحلم حيًا… حتى يصبح وطنًا .

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى