د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: زيارة دينيس براون، الممثلة المقيمة للأمم المتحدة بالسودان إلى الأبيض.. حين تتحدث الحكومة بلغة الشراكة الذكية..!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب:
زيارة دينيس براون، الممثلة المقيمة للأمم المتحدة بالسودان إلى الأبيض.. حين تتحدث الحكومة بلغة الشراكة الذكية..!!
في الوقت الذي تصاعدت فيه الحملات الإعلامية التي سعت إلى تقديم صورة قاتمة عن الأوضاع في مدينة الأبيض، جاءت زيارة دينيس براون، الممثلة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بالسودان، لتمنح المشهد بعدًا مختلفًا، يقوم على المعاينة المباشرة لا على الروايات المتداولة، فالزيارات الميدانية التي يقوم بها كبار المسؤولين الدوليين تظل أكثر قدرة على استجلاء الحقائق من التقارير المتناقضة، لأنها تنقل الصورة كما هي، وتضع الوقائع أمام أصحاب القرار في المجتمع الدولي.
ولا تنبع أهمية هذه الزيارة من بعدها الإنساني فحسب، وإنما من طبيعة الموقع الذي تشغله دينيس براون داخل منظومة الأمم المتحدة، فهي تتولى، من موقعها كممثلة مقيمة ومنسقة للشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بالسودان، تنسيق عمل الوكالات والبرامج الأممية العاملة في السودان، والإشراف على الاستجابة الإنسانية وتقييم الأوضاع الإنسانية، وتحديد أولويات التدخل، ورفع التقارير التي تستند إليها المؤسسات الدولية في قراراتها المختلفة، ولذلك فإن وجودها في مدينة الأبيض يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول، ويعكس أهمية الوقوف على الأوضاع ميدانيًا قبل بناء التقديرات وإصدار الأحكام.
وقدمت الحكومة السودانية خلال هذه الزيارة نموذجًا متقدمًا في إدارة العلاقة مع المنظمات الدولية، من خلال خطاب يقوم على الشراكة لا التبعية، وعلى المبادرة لا الانتظار، فلم يقتصر الحديث على التحديات التي فرضتها الظروف الراهنة، وإنما امتد إلى ما تحقق من جهود في استمرار الخدمات، والمحافظة على عمل مؤسسات الدولة، وإدارة الشأن العام بكفاءة، وهي رسالة تؤكد أن الدولة تمضي في أداء مسؤولياتها، وأن التعاون مع المجتمع الدولي يأتي في إطار دعم هذه الجهود وتعزيزها، لا ليحل محلها.
وفي هذا السياق، برز الأداء المتميز لحكومة ولاية شمال كردفان، التي أحسنت الإعداد لهذه الزيارة، وأدارت برنامجها بكفاءة ومهنية، وقدمت نموذجًا عمليًا في كيفية التعامل مع الشركاء الدوليين بثقة ووضوح، فقد أتاحت للوفد الأممي الوقوف مباشرة على واقع الأوضاع، والاطلاع على سير العمل في المؤسسات والخدمات، بعيدًا عن الانطباعات المسبقة والروايات غير الموثقة، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة العمل المؤسسي، ويؤكد أن أفضل وسيلة لمخاطبة المجتمع الدولي هي عرض الحقائق كما هي على أرض الواقع.
ومن الزوايا المهمة التي تستحق التوقف عندها أن مجرد اختيار مدينة الأبيض محطة لهذه الزيارة يحمل في حد ذاته دلالة سياسية وميدانية بالغة الأهمية، فالأمم المتحدة، بحكم معاييرها الدقيقة المتعلقة بأمن موظفيها وتحركات بعثاتها، لا توفد كبار مسؤوليها إلى مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار، كما أن تحرك الوفد داخل المدينة بكل اطمئنان، وتنفيذ برنامجه الميداني بصورة طبيعية، وما نقلته رئيسة الوفد من انطباعات إيجابية عن الأوضاع، قد وضع الشائعات والتقارير غير الدقيقة في الزاوية الضيقة، وأثبت أن الوقائع على الأرض أكثر قوة وصدقًا من أي حملات إعلامية حاولت تصوير الأبيض على غير حقيقتها، وأن المدينة تمضي في حياتها الطبيعية، وتؤدي مؤسساتها واجباتها بكفاءة واستقرار.
إن هذا النموذج يعيد التأكيد على أهمية ما يمكن وصفه بالشراكة الذكية، وهي الشراكة التي تنطلق من رؤية وطنية واضحة، تحدد فيها الحكومة أولوياتها وبرامجها، ثم تدعو شركاءها الدوليين إلى الإسهام في دعمها وتنفيذها، فالدول التي تمتلك زمام المبادرة هي الأقدر على بناء علاقات متوازنة مع المنظمات الدولية، لأنها تتعامل معها بوصفها شركاء في التنمية والعمل الإنساني، لا أوصياء على القرار الوطني، وهو النهج الذي يحتاجه السودان في هذه المرحلة تحديدا.
لقد قدمت زيارة دينيس براون إلى الأبيض درسًا مهمًا في كيفية إدارة العلاقة مع المجتمع الدولي، ورسخت مفهوم الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، كما أكدت، بصورة عملية، أن أفضل وسيلة لدحض الشائعات ليست البيانات ولا الردود الإعلامية فحسب ، وإنما تمكين الشركاء الدوليين من الوقوف بأنفسهم على الواقع، ومشاهدة الحقائق كما هي، وهو ما تحقق في هذه الزيارة بامتياز، كما تستحق جميع الجهات والأجهزة الاتحادية والولائية التي أسهمت في الإعداد والترتيب والتنسيق لهذه الزيارة خالص الإشادة والتقدير، وفي مقدمتها حكومة ولاية شمال كردفان، لما أظهرته من حسن تنظيم وإدارة، ولما وفرته من بيئة مكنت الوفد الأممي من أداء مهمته بكل يسر وشفافية، إن هذا التكامل بين مؤسسات الدولة الاتحادية والولائية يقدم نموذجًا يستحق البناء عليه في إدارة الشراكات الدولية، ويؤكد أن التنسيق المؤسسي والعمل بروح الفريق الواحد يظلان من أهم عوامل نجاح الدبلوماسية الميدانية، وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة السودانية، وترسيخ صورة السودان بوصفه دولة قادرة على إدارة شؤونها، والانفتاح على شركائها الدوليين بثقة واقتدار، وقد قامت الحكومة السودانية، من خلال ترتيب هذه الزيارة، بما عليها من واجب، وبقي على المجتمع الدولي أن يقوم بدوره الكامل، استنادًا إلى الحقائق على الأرض والواقع الماثل، لا إلى الانطباعات المسبقة أو الروايات غير الدقيقة.






