وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس: ضياء الدين العوضي.. رحيل “شهيد الطيبات” في محراب الواجب

دوزنة أحاسيس
د. ضياء الدين العوضي.. رحيل “شهيد الطيبات” في محراب الواجب
بقلم: وداد الماحي
في تاريخ الأمم محطات يسطرها رجال لم يكتفوا بأداء الوظيفة، بل جعلوا من مهنتهم رسالة مقدسة. الدكتور ضياء الدين العوضي، الذي رحل عن دنيانا تاركاً إرثاً من النبل الطبي والأخلاقي، لم يكن مجرد طبيب بارع، بل كان نموذجاً حياً لما يعنيه “الجيش الأبيض” في أسمى تجلياته، فاستحق عن جدارة لقب “شهيد الواجب الإنساني”.
النشأة والمسيرة: بذور التميز
وُلد الدكتور ضياء الدين في بيئة قدرت العلم، فظهر نبوغه مبكراً. سار في دروب العلم بمثابرة قادته إلى كلية الطب، حيث لم يتوقف طموحه عند الدرجة الجامعية، بل واصل دراساته العليا بتفانٍ، متميزاً بالبحث الدؤوب عن كل ما يخدم الإنسانية، مما جعله مرجعاً يجمع بين رصانة النظرية ودقة التطبيق.
فلسفة العودة إلى الفطرة
لم تكن ممارسة د. ضياء للطب تقليدية، بل كانت وقفة وفاء لأرواح المرضى قبل أبدانهم. نرفع له أسمى آيات الشكر والتقدير، خصوصاً فيما قدمه لمرضى الحالات المزمنة الذين وجدوا في علمه ملاذاً. لقد آمن بعمق بمزج العلم بمشكاة الكتاب والسنة، مرسخاً لفكرة أن “الجسم يستمد قوته من نفسه”.
كان مدرسة في نشر ثقافة “الصيام المتقطع” كعملية تطهير ذاتي، معتبراً أن العودة للفطرة السليمة في التغذية هي المفتاح الحقيقي للتعافي، وأن الجوع المنظم ليس مجرد حرمان، بل هو صيانة ربانية للجسد من السموم.
برنامج “الطيبات”: ثورة الوعي
ولعل المحطة الأبرز التي جعلت علمه يدخل كل بيت هي منهجه المتفرد في برنامج (الطيبات). هذا المشروع الذي وجد إقبالاً منقطع النظير، لم يكن مجرد نصائح عابرة، بل ثورة في الوعي الصحي أثبتت تعطش الناس لمنهج يجمع بين العلم والإيمان. من خلال “الطيبات”، أعاد تعريف علاقتنا بالطعام، محولاً إياه إلى دواء ووسيلة لاسترداد العافية بكلمات بسيطة وصلت لقلوب الآلاف.
ما قدمه والرحيل المر
تدرج في مسؤولياته الطبية متميزاً بالتواضع والرحمة، قريباً من البسطاء، وحريصاً على تدريب الأجيال الجديدة. وعندما وافته المنية وهو في قمة عطائه، رحل وهو يؤدي واجبه المهني بكل إخلاص، ليصعد إلى بارئه حاملاً لقب “شهيد الواجب”، اللقب الذي أطلقه عليه زملاؤه وكل من آمن برسالته.
خاتمة:
نسأل الله له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، يارب العالمين. وعزاؤنا الصادق لأسرته الصغيرة والكبيرة، وللأمة الإسلامية جمعاء، ولكل محبيه في مشارق الأرض ومغاربها. إن رحيل الدكتور ضياء العوضي ليس غياباً، بل هو حضور متجدد في كل جسد تعافى بفضل الله ثم بفضل منهجه. سيبقى اسمه محفوراً كرمز للطبيب الذي لم يخذل قسمه، وكشهيد وهب حياته ليحيا الآخرون في “طيبات” من الصحة والعافية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.









