رأي

وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس: رغيف الروح.. وحنين للحبة الكاملة

دوزنة أحاسيس: رغيف الروح.. وحنين للحبة الكاملة
​بقلم: وداد الماحي
​ثمة تفاصيل صغيرة في حياتنا، حين “ندوزن” أوتارها، نكتشف أنها هي جوهر السلام النفسي والبدني. ومن بين تلك التفاصيل، رائحة “خبز الدار” التي كانت تمسك بتلابيب الصباح في بيوتنا القديمة؛ تلك الرائحة التي لم تكن مجرد عجين يختمر، بل كانت عبق القمح الحقيقي، الذي لم تعبث به يد الآلات لتجرده من روحه وتتركه أبيضَ شاحباً بلا حياة.
​رحم الله الدكتور ضياء العوضي، ذلك الرجل الذي لم يرحل إلا بعد أن أحدث في دواخلنا رجفة الوعي. لقد كان صوته بمثابة دعوة لاسترجاع “الطيبات” من حياتنا، وكأنه يقول لنا إن أجسادنا هي معازف رقيقة، لا تستقيم ألحانها إلا إذا غذيناها بما هو طبيعي وفطري. لقد أعادنا العوضي، بحديثه عن “الحبة الكاملة”، إلى حضن أمهاتنا اللواتي كنّ يحرسن صحتنا بوعي القلب، يرفضن بياض الدقيق المزيف، ويتمسكن بسمرة القمح التي تشبه سمرة وجوهنا الكادحة.
​ألم تكن أمهاتنا يقلن لنا إن الخبز الأبيض “لا يسند الجسد”؟ لقد كان لديهن “ترمومتر” خاص للأحاسيس، يدركن به أن ما يُنزع منه قشره (نخالته) يُنزع منه خيره. واليوم، يأتي العلم ليؤكد تلك الفطرة، وتأتي دول كـ “تونس” لتجعل من العودة للحبة الكاملة قراراً يحمي نبض شعبها.
​إن الحبة الكاملة ليست مجرد “دقيق”، إنها ذاكرة الأرض، وهي الغذاء الذي يمنح أبناءنا صفاء الذهن وهدوء النفس. فكيف ننتظر من جيلٍ يتغذى على “النشويات الشاحبة” أن يمتلك عزيمة القمح وسنابل الصبر؟ إن “دوزنة” حياتنا تبدأ من مائدتنا؛ حين نختار رغيفاً يحمل بركة الأرض كاملة، غير منقوصة، ليشبع الروح قبل الجسد.
​إننا لا نحتاج فقط إلى أفران تخبز لنا القمح، بل نحتاج إلى رعاية واهتمام من دولتنا لتعيد لهذا الرغيف الأسمر هيبته، لتدعم المخابز التي تنحاز لصحة المواطن، ولتكون شريكاً في استعادة “عافية المجتمع”. إنها دعوة لنتصالح مع فطرتنا، ونعيد دوزنة أحاسيسنا على إيقاع الطبيعة، بعيداً عن صخب المواد المكررة والكيميائية التي أرهقت أبداننا.
​نحن بحاجة لأن نأكل مما تنبت أرضنا، بكل ما فيها من خير، لنستعيد توازننا المفقود. فالرغيف ليس مجرد لقمة، إنه “دوزنة” لرحلة العمر.
​اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.
​دمتم في عافية، ودامت بيوتنا عامرة بالطيبات.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى