رأي

وداد الماحي تكتب في دوزنة أحاسيس: ​سيمفونية الضوء الساكن.. حين تُدوزن المعاناة صبر البيوت

دوزنة أحاسيس

​سيمفونية الضوء الساكن.. حين تُدوزن المعاناة صبر البيوت

بقلم: وداد الماحي

​هناك تفاصيل صغيرة لا تلتقطها البيانات الرسمية، ولا تشرحها الأرقام الجافة التي تتحدث عن “أعطال تشغيلية” أو “تراجع في التوليد الحراري”. هذه التفاصيل تولد وتعيش داخل بيوتنا، في العتمة الدافئة التي تفرضها علينا الظروف الاستثنائية، حيث تصبح الحكايات والهمسات والصبور هي الوقود الحقيقي الذي يضيء القلوب حين تنطفئ المصابيح.
​أن نعيش صيفاً لاهباً تحت رحمة قطوعات الكهرباء، ليس مجرد تحدٍ هندسي تخوضه الفرق الفنية، بل هو اختبار يومي لصلابة الروح الإنسانية؛ اختبار لقدرة الأمهات والآباء على دوزنة القلق وتحويل ليل الأبناء إلى مساحة من الطمأنينة، رغم لسعات الهجير وضيق الخناق. في كل بيت، هناك ملحمة صامتة تُعزف ألحانها بالصبر والتكافل، حيث يتقاسم الجيران شربة ماء باردة، ويتنفسون معاً نسمة هواء عابرة تحت ضوء القمر.
​وهنا، وفي قلب هذا المنعطف الحرج، لا بد من وقفة إشادة وإعزاز مستحقة بالجهود الحثيثة والمضنية التي تبذلها وزارة الطاقة؛ أولئك الجنود المجهولون من مهندسين وفنيين وعمال طوارئ يواصلون الليل بالنهار في محطات “أم دباكر” و”مجمع قري” وفي كافة خطوط النقل والتوزيع. إنهم يسابقون الزمن ويتحدون المخاطر في الميدان لإصلاح ما دمرته يد الحرب، تاركين بيوتهم وأسرهم تتجرع ذات العتمة ولهيب الصيف، ليقفوا هم في الخطوط الأمامية تحت الشمس الحارقة، ممسكين بأطراف الضوء ليعيدوا النبض للشبكة القومية ولبيوت المواطنين.
​هذا العطاء الرسمي يتكامل بجمال مع تلك “الجهود الشعبية المخلصة” والمساعي الذاتية التي تنبت من رصيف المعاناة؛ حيث تلاحمت سواعد البناء الفنية مع وعي وصبر إنسان هذا الوطن، ليرسموا معاً لوحة من التعاضد الاجتماعي وقت الأزمات، متطلعين نحو غدٍ تُستمد طاقته النظيفة من مشروعات شمسنا المتقدة لتكون برداً وسلاماً على البيوت.
​دوزنة:
الظلام ليس غياباً كاملاً للضوء، بل هو مساحة نكتشف فيها بريق معادننا الحقيقية. إن أولوياتنا اليوم ليست مجرد استعادة تيار كهربائي, بل هي الحفاظ على “تيار المودة والتراحم” الذي يربطنا ببعضنا البعض؛ فترشيدنا للاستهلاك اليوم، وتخلينا عن الأنانيات الصغيرة، هو اللحن الإنساني الأجمل الذي نسند به مستشفى يبحث عن نبض، أو محطة مياه تسقي ظامئاً، أو مدرسة تؤمن مستقبل جيل. دوزنة أحاسيسنا في هذه المرحلة تعني أن نشعر ببعضنا، لتضاء البلاد بروحنا قبل شبكاتها.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى