رأي

ياسر الفادني يكتب في من أعلى المنصة: ابتسامة حبيبي تكفي!

من أعلي المنصة

ياسر الفادني

ابتسامة حبيبي تكفي!

ابتسامة حبيبي تكفي…. ليست اغنية فحسب بل ذاكرة تمشي بين الناس، كلما مرّ عليها الزمن ازداد بريقها ولم يخفت ، ومن تلك الأغنيات التي تجاوزت حدود اللحن والكلمة إلى مساحة الوجدان السوداني الخالص، تأتي هذه الرائعة الذي اجتمع فيها شاعر يكتب بريشة رسام، وملحن ينحت الموسيقى كما ينحت النحات تمثاله، ومطرب يسكب روحه في كل حرف حتى ظن الناس أنه يغني سيرة كل واحد منهم

هلاوي ليس شاعراً يطارد القوافي، بل صانع صور جمالية. ينتمي إلى تلك المدرسة التي يمكن أن نسميها مدرسة (الفراش المزركش والماء والخضرة والبوح السلس الجميل ) حيث تتحول الكلمة إلى لون، والمعنى إلى مشهد، والقصيدة إلى لوحة نابضة بالحياة، لا يبدأ من الصخب، وإنما من التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، ثم يبني منها عالماً كاملاً، لذلك لم يختر أن يقول: أحبك أو أعشقك، بل قال: (ابتسامة حبيبي تكفي) ! وكأنه يعلن أن ابتسامة واحدة قادرة على أن تعادل الدنيا بأكملها

ثم يمضي في رحلة العتاب النبيل، فلا يصرخ، ولا يتوسل، ولا يساوم، وإنما يرفع قيمة الإنسان حتى وهو يودع حبه قائلاً: (يوم تفوت… بس بي السلام ) يا لها من عبارة! ليست طلباً، بل ميثاق أخلاقي بين قلبين جمعهما الحب، فإن فرّقتهما الأيام فلا ينبغي أن يفرقهما الجفاء إنها فلسفة كاملة في العلاقات الإنسانية، اختصرها هلاوي في كلمات قليلة

ويبلغ النص قمته حين يميز بين خيانة الظروف وخيانة البشر، فيقول: (يعني لو خانت ظروفك… إيه لزوم إنك تخون) هنا لا يعود الشعر مجرد إحساس، بل يصبح حكمة إنسانية عميقة ، فالظروف قد تقسو، لكنها لا تمنح أحداً مبرراً ليخذل من أحب وهذه القدرة على استخراج المعاني الكبيرة من الكلمات البسيطة هي سر جمال هلاوي، وسر بقائه في ذاكرة الأغنية السودانية

ثم يأتي الكردفاني، لا ليضع لحناً فوق القصيدة، وإنما ليكسوها ثوباً من الموسيقى يبدو وكأنه خيط خصيصاً لها، لحنه لا ينافس الكلمات، بل يحتضنها. يبدأ هادئاً، ثم يتدرج مع انفعالات النص دون استعراض أو افتعال. الجمل الموسيقية تنساب كما ينساب الماء بين الصخور، والهارمونيات تأتي رقيقة لتمنح القصيدة فضاءً رحباً تتنفس فيه ، أما الدوزنة فقد اختيرت بعناية، حتى بدا اللحن وكأنه يعرف حدود صوت محمود عبد العزيز ومساحاته، فيصعد معه حين ينبغي الصعود، ويهبط معه حين يحتاج المعنى إلى همسة أكثر من حاجته إلى صرخة

وهنا يطل محمود عبد العزيز، لا كمطرب يؤدي أغنية، بل كحالة وجدانية كاملة، كان يمتلك تلك القدرة النادرة على أن يجعل المستمع يشعر بأن الأغنية تُولد أمامه لأول مرة، صوته المخملي، المشوب ببحة حزينة، كان يحمل من الصدق أكثر مما يحمل من الزخارف الصوتية، لم يكن يغني الكلمات، بل يعيشها، حتى إنك حين تسمعه يقول: ابتسامة حبيبي تكفي… تشعر أنه لا يردد نصاً مكتوباً، وإنما يبوح بسر قديم ظل حبيس القلب سنوات طويلة
وفي أدائه تتجلى عبقرية الصمت أيضاً ، كان يعرف متى يترك للكلمة أن تتنفس، ومتى يمنح المستمع لحظة تأمل بين جملة وأخرى، فتغدو المسافات بين النغمات جزءاً من الموسيقى نفسها، ولذلك لم يكن تأثيره نابعاً من قوة الصوت وحدها، بل من قوة الإحساس الذي يسكن ذلك الصوت

إني من منصتي استمع … حيث اقول ؛ ستبقي هذه الأغنية حاضرة في وجدان السودانيين، لأنها لم تكن مجرد تعاون بين شاعر وملحن ومطرب، بل كانت لقاءً بين ثلاث عبقريات صنعت قطعة من العسل السوداني الخالص. هلاوي منحها الروح الشعرية، والكردفاني منحها الجسد الموسيقي، ومحمود عبد العزيز منحها الحياة
وحين تجتمع الكلمة التي تلمس القلب ، واللحن الذي يُحس، والصوت الذي يُصدق، لا تولد أغنية فحسب ، وإنما يولد أثر فني يقيم في الذاكرة، ويكبر مع الأيام، حتى تصبح مجرد جملة مثل (ابتسامة حبيبي تكفي…نحن كان بينا الغرام) كافية لأن تعيد إلى القلب زمناً كاملاً، وتفتح أبواب الحنين على مصاريعها.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى