د. معاوية عبيد يكتب في صرير القلم: مد لسانك… قدر قانونك

مد لسانك… قدر قانونك
يقول المثل السوداني: “مد رجيلك قدر لحافك”، وهي دعوة لأن يعرف الإنسان حدوده، ويعيش وفق إمكاناته، وألا يتجاوز ما يسمح به الواقع. ويمكن أن نضيف إليه مثلًا من واقعنا اليوم: “مد لسانك… قدر قانونك.”
فاللسان يطول عندما يغيب القانون، ويقصر عندما تكون هيبة الدولة حاضرة، ويعلم كل إنسان أن وراء كل تجاوز مساءلة، ووراء كل جريمة عقوبة.
لقد قدم أبناء السودان تضحيات عظيمة حتى يبقى الوطن. وبفضل الله، ثم بفضل القوات المسلحة والقوات المساندة لها، تحقق الكثير من الانتصارات، ودفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم وأرواحهم دفاعًا عن الأرض والعرض، وهم يرددون شعارهم الذي أصبح عنوانًا للحسم: “بل بس.”
لكن بعد أن هدأت أصوات البنادق في كثير من المناطق، برزت معركة أخرى لا تقل أهمية، هي معركة سيادة القانون.
فما يؤلم المواطنين اليوم أنهم عادوا إلى ديارهم ليجدوا بعض من ارتكبوا الجرائم أو شاركوا في النهب أو دلّوا المعتدين على المنازل، يتحركون بحرية، وكأن شيئًا لم يكن. لا خوف، ولا مساءلة، بل إن بعضهم يتصرف باستفزاز، وكأن غياب المحاسبة منحه شعورًا بالإفلات من العقاب ، هذه ليست قضية فرد، وإنما قضية مجتمع بأكمله. فحين يرى المظلوم ظالمه يتجول أمامه دون حساب، تتزعزع ثقته في العدالة، ويصبح تطبيق القانون مطلبًا شعبيًا قبل أن يكون واجبًا على الدولة ، و مما قادني الي كتابة هذه السطور أن لدي شكوى واضحة وضعتها على منضدة المسؤولين كما وضعتها أمام الرأي العام عبر الصحافة أملاً في أن يأخذ القانون مجراه وأن ينال الجاني جزاءه وفق العدالة ،لكن وحتى هذه اللحظة وما يزيد الألم أنني أشاهد ذلك الجاني كل يوم يتجول بين الناس بكل ثقة وكأنه يبعث برسالة مفادها أن القانون لن يطاله وأن الشكوى لن تغيّر شيئًا وهذا ليس ظلمًا لشخص واحد فحسب بل رسالة سلبية لكل من فقد حقًا أو تعرض لاعتداء ورسالة أخطر لكل من يفكر في مخالفة القانون إذ توحي له بأن الإفلات من العقاب ممكن .
إن القضية لم تعد قضية شكوى شخصية بل أصبحت قضية هيبة دولة وعدالة ينتظرها المواطن. فحين يغيب إنفاذ القانون، يمتد لسان المستهتر استهزاءً، ويزداد المظلوم ألمًا وانتظارًا. ولذلك يبقى السؤال مشروعًا: متى تتحول الشكاوى إلى إجراءات، وتتحول النصوص القانونية إلى عدالة يراها الناس على أرض الواقع؟
“حين يُطبَّق القانون بعدلٍ وحزم، لن يجرؤ أحد على مد لسانه شماتةً، لأن هيبة العدالة ستكون أبلغ من كل لسان.”
إن هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على إنفاذ القانون على الجميع دون استثناء، صغيرًا كان أو كبيرًا ضعيفًا كان أو قويًا. فالدولة التي لا تُفعِّل قوانينها تترك فراغًا يملؤه الاستهتار ويصبح الخارج على القانون أكثر جرأة ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن إجابته:
متى تُفعَّل القوانين بعدالة وحزم، حتى لا يجد أحدٌ نفسه قادرًا على “مد لسانه” استهانةً بحقوق الناس أو شماتةً بضحاياه؟
فالعدالة ليست انتقامًا، وإنما هي الضمانة الوحيدة لاستقرار المجتمع وحماية الحقوق وترسيخ هيبة الدولة حتى يدرك كل من تسول له نفسه مخالفة القانون أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى






