رأي

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب: الاقتصاد السوداني بين مطرقة الحرب وسندان الأزمة العالمية.. الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي..!!

د. الحاج عبد الرحمن الحاج موسى يكتب:

الاقتصاد السوداني بين مطرقة الحرب وسندان الأزمة العالمية.. الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي..!!

يمر الاقتصاد السوداني اليوم بواحدة من أكثر مراحله تعقيداً في التاريخ الحديث؛ فهو لا يتحرك في بيئة اقتصادية طبيعية، بل يخوض معركة بقاء وسط واقع استثنائي فرضته الحرب التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية، وأوقفت قطاعات إنتاجية مهمة، وعطلت مسارات النقل والطاقة والصناعة والزراعة، في وقت تتزامن فيه هذه الظروف مع أزمة اقتصادية عالمية رفعت تكاليف الاستيراد، وضيقت فرص التمويل، وأثقلت كلفة الحصول على الموارد. وأمام هذه المعادلة الصعبة تقف الدولة أمام امتحان تاريخي يتمثل في تأمين احتياجات المواطنين الأساسية، وإعادة تشغيل الخدمات، وتمويل متطلبات الاستقرار والإعمار، رغم تراجع الموارد وشح النقد الأجنبي وارتفاع كلفة التمويل.

ورغم هذه الظروف الاستثنائية، فإن الجهود الاقتصادية والمالية المبذولة تعكس سعياً للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي ودعم مسارات التعافي، غير أن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط التضخم، وتقلبات الأسواق، وتراجع القوة الشرائية، يؤكد أن التحدي لم يعد يقتصر على إدارة التداعيات الآنية، وإنما يتطلب إصلاحات هيكلية تعالج جذور الأزمة. فالتجارب الاقتصادية تثبت أن التعافي الحقيقي لا يتحقق بالإجراءات المؤقتة، وإنما بتكامل السياسات، ورفع كفاءة التنفيذ، وتعزيز الإنتاج، وتحقيق التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والتجارية.

إن الأزمة الاقتصادية السودانية لا تتمثل فقط في ارتفاع الأسعار أو اضطراب سعر الصرف، بل ترتبط باختلالات أعمق، أبرزها ضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد على تصدير الموارد الخام، وانخفاض القيمة المضافة، وتعطل جزء من الطاقات المنتجة. وقد أثبتت التجارب أن الحلول السريعة التي لا تستند إلى إنتاج حقيقي لا تصنع تعافياً مستداماً؛ فالتوسع النقدي دون زيادة الإنتاج يغذي التضخم، وفتح الاستيراد بلا ضوابط يستنزف الموارد، بينما تظل الأسواق أقوى من أي قرارات إدارية إذا لم تسندها قدرة إنتاجية حقيقية.

ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، عبر رؤية مؤسسية متكاملة تنقل الاقتصاد من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن السياسات الإسعافية إلى التخطيط الاستراتيجي. وفي ظل غياب سلطة تشريعية مكتملة، يمكن النظر في إنشاء مجلس أعلى للاقتصاد برئاسة رئيس مجلس السيادة، وعضوية الجهات الاقتصادية والتنفيذية المختصة، يتولى تنسيق السياسات الاقتصادية، ومراجعة القرارات الكبرى، وضمان انسجامها مع متطلبات الحرب والتعافي وإعادة الإعمار، دون أن يكون بديلاً عن المؤسسات التنفيذية، وإنما مظلة عليا للتخطيط والحوكمة.

كما يحتاج الاقتصاد السوداني إلى برنامج واضح للاستقرار الاقتصادي والمالي، يقوم على ضبط التضخم، وترشيد الإنفاق، وإصلاح منظومة الإيرادات، وتحسين كفاءة التحصيل، وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والخدمات الأساسية. ويوازي ذلك استعادة الثقة في الجهاز المصرفي من خلال توسيع تمويل الزراعة والصناعة، وتشجيع الادخار، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، إلى جانب إدارة النقد الأجنبي وفق أولويات تضمن توفير مدخلات الإنتاج والسلع الأساسية، وتعزيز حصائل الصادرات، وترشيد الواردات غير الضرورية، لأن استقرار العملة يرتبط في جوهره بقدرة الاقتصاد على توليد الموارد وليس بالقرارات الإدارية وحدها.

ويبقى التحول الاستراتيجي الأهم هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يقوم على القيمة المضافة، عبر التصنيع الزراعي، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحويل الثروات الوطنية إلى صناعات وفرص عمل وعوائد أكبر. كما أن الدولة لا تستطيع وحدها تحمل أعباء هذه المرحلة، بل يحتاج مشروع التعافي إلى شراكة واسعة مع القطاع الخاص والمجتمع، وتشجيع المبادرات الإنتاجية، واستثمار المدخرات الوطنية، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الوطني والأجنبي.

إن الإعمار لا يبدأ بعد انتهاء الحرب، بل يبدأ من الآن بالتخطيط، وإعداد المشروعات، وحصر الاحتياجات، حتى يكون السودان مستعداً لمرحلة السلام. فالاقتصاد السوداني يقف اليوم أمام مفترق طرق؛ إما الاكتفاء بإدارة الأزمات المتلاحقة، أو الشروع في بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وصلابة وقدرة على مواجهة التحديات. وسيكون النجاح مرهوناً بحسن الإدارة، ووحدة الرؤية، وشجاعة القرار، والقدرة على تحويل آثار الحرب إلى نقطة انطلاق نحو تعافٍ اقتصادي شامل يضع السودان على طريق التنمية والاستقرار.

أحمد حسين محمد

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى